جلال الدين السيوطي

426

الإتقان في علوم القرآن

وقال غيره : بل كان للعرب العاربة الّتي نزل القرآن بلغتهم بعض مخالطة لسائر الألسنة في أسفارهم ، فعلّقت من لغاتهم ألفاظا غيّرت بعضها بالنّقص من حروفها ، واستعملتها في أشعارها ومحاوراتها ؛ حتى جرت مجرى العربيّ الفصيح ، ووقع بها البيان ، وعلى هذا الحدّ نزل بها القرآن . وقال آخرون : كلّ هذه الألفاظ عربيّة صرفة ، ولكن لغة العرب متّسعة جدّا ، ولا يبعد أن تخفى على الأكابر الجلّة ، وقد خفي على ابن عباس معنى فاطِرِ * و ( فاتح ) . قال الشافعيّ في الرسالة « 1 » : لا يحيط باللغة إلّا نبيّ . وقال أبو المعالي عزيزي بن عبد الملك : إنّما وجدت هذه الألفاظ في لغة العرب ، لأنّها أوسع اللغات ، وأكثرها ألفاظا ، ويجوز أن يكونوا سبقوا إلى هذه الألفاظ . وذهب آخرون إلى وقوعه فيه ، وأجابوا عن قوله تعالى : قُرْآناً عَرَبِيًّا [ يوسف : 2 ] بأنّ الكلمات اليسيرة بغير العربية لا تخرجه عن كونه عربيّا ، والقصيدة الفارسيّة لا تخرج عنها بلفظة فيها عربية . وعن قوله تعالى : ءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ [ فصلت : 44 ] بأنّ المعنى من السياق : ( أكلام أعجميّ ومخاطب عربيّ ! ) واستدلّوا باتفاق النحاة على أنّ منع صرف نحو [ إبراهيم ] للعلميّة والعجمة . وردّ هذا الاستدلال بأنّ الأعلام ليست محلّ خلاف ، فالكلام في غيرها موجّه : بأنه إذا اتفق على وقوع الأعلام فلا مانع من وقوع الأجناس . وأقوى ما رأيته للوقوع . وهو اختياري . ما أخرجه ابن جرير بسند صحيح عن أبي ميسرة التابعيّ الجليل ، قال : في القرآن من كلّ لسان « 2 » . وروي مثله عن سعيد بن جبير ووهب بن منبّه « 3 » . فهذه إشارة إلى أنّ حكمة وقوع هذه الألفاظ في القرآن أنه حوى علوم الأوّلين والآخرين ، ونبأ كلّ شيء ، فلا بدّ أن تقع فيه الإشارة إلى أنواع اللغات والألسن ليتمّ إحاطته بكلّ شيء ، فاختير له من كلّ لغة أعذبها وأخفها وأكثرها استعمالا للعرب . ثم رأيت ابن النقيب صرّح بذلك ، فقال : من خصائص القرآن على سائر كتب اللّه تعالى المنزّلة أنّها نزلت بلغة القوم الّذين أنزلت عليهم ، ولم ينزل فيها شيء بلغة غيرهم ، والقرآن احتوى على جميع لغات العرب ، وأنزل فيه بلغات غيرهم من الرّوم والفرس والحبشة شيء كثير . انتهى . وأيضا : فالنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم مرسل إلى كل أمة ، وقد قال تعالى : وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا

--> ( 1 ) الرسالة ص 47 ، وانظر الصاحبي 1 / 47 . ( 2 ) تفسير الطبري 1 / 8 ، والمصنف لابن أبي شيبة 10 / 469 ، وانظر المتوكلي ص 34 . ( 3 ) تفسير الطبري 1 / 8 عن سعيد ، وأخرجه ابن المنذر في تفسيره عن وهب كما في المتوكلي ص 35 .